الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
15
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهي من مقول القول . [ 15 - 19 ] [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 15 إلى 19 ] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 15 ) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ( 16 ) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ( 17 ) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 18 ) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 19 ) اعتراض قابل به حال المؤمنين في يوم الدين جرى على عادة القرآن في اتباع النّذارة بالبشارة ، والترهيب بالترغيب . وقوله : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ نظير قوله في سورة الدخان [ 51 ، 52 ] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وجمع جَنَّاتٍ باعتبار جمع المتقين وهي جنات كثيرة مختلفة وفي الحديث : « إنها لجنان كثيرة ، وإنه لفي الفردوس » ، وتنكير جَنَّاتٍ للتعظيم . ومعنى آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ : أنهم قابلون ما أعطاهم ، أي راضون به فالأخذ مستعمل في صريحه وكنايته كناية رمزية عن كون ما يؤتونه أكمل في جنسه لأن مدارك الجماعات تختلف في الاستجادة حتى تبلغ نهاية الجودة فيستوي الناس في استجادته ، وهي كناية تلويحية . وأيضا فالأخذ مستعمل في حقيقته ومجازه لأن ما يؤتيهم اللّه بعضهم مما يتناول باليد كالفواكه والشراب والرياحين ، وبعضه لا يتناول باليد كالمناظر الجميلة والأصوات الرقيقة والكرامة والرضوان وذلك أكثر من الأول . فإطلاق الأخذ على ذلك استعارة بتشبيه المعقول بالمحسوس كقوله تعالى : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ * في سورة البقرة [ 63 ] ، وقوله : وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها في سورة الأعراف [ 145 ] . فاجتمع في لفظ آخِذِينَ كنايتان ومجاز . روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « أن اللّه تعالى يقول : يا أهل الجنة . فيقولون : لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك . فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون : وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا » . وفي إيثار التعبير عن الجلالة بوصف ( ربّ ) مضاف إلى ضمير المتقين معنى من